الخلاصة: استطلاع نُشر نهاية أكتوبر وجد أن 16% من المشاركين في أمريكا وبريطانيا استُبدلوا بالذكاء الاصطناعي ثم طلبت شركاتهم عودتهم. القانون 36 من كتاب «الشفرة» يفسّر ما حدث: الشركات هدمت حاجزًا قبل أن تعرف ما الذي كان يمنعه. والدرس: قبل أن تلغي دورًا، اعرف ما كان يحميه فعلًا.
ماذا حدث؟
في 29 أكتوبر 2026 نشرت شركة SHL المتخصصة في تقييم المواهب نتائج استطلاع شمل 2036 موظفًا في الولايات المتحدة وبريطانيا، بحسب ما نقله موقع IT Brief. قال 16% من المشاركين إنهم فقدوا وظائفهم أو استُبدلوا بالذكاء الاصطناعي، ثم طلب منهم صاحب العمل نفسه العودة لاحقًا، وترتفع النسبة إلى 19% في الولايات المتحدة.
العودة لم تكن مجانية. أكثر من نصف المشاركين (51%) قالوا إنهم يريدون زيادة كبيرة في الراتب قبل العودة، و42% يريدون ضمانات مكتوبة للأمان الوظيفي، و40% يريدون شفافية كاملة في طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي في أدوارهم.
وفي 2 نوفمبر نقل موقع ITPro تحذيرًا من مؤسسة Gartner بأن 30% من الموظفين الذين سُرّحوا بسبب الذكاء الاصطناعي سيُعاد توظيفهم بحلول 2029، وبتكلفة أعلى كثيرًا على الشركات.
الشفرة خلف الخبر
القانون 36 من كتاب «الشفرة»: «لا تهدم حاجزًا قبل أن تعرف ما الذي كان يمنعه»
حين تنظر الإدارة إلى وظيفة من الخارج، ترى قائمة مهام: الرد على العملاء، إدخال البيانات، كتابة التقارير. وهذه مهام يستطيع الذكاء الاصطناعي تنفيذ كثير منها. لكن الوظيفة ليست القائمة فقط.
داخل كل دور طبقة لا تظهر في الوصف الوظيفي: موظف يعرف أي عميل يغضب إذا تأخر الرد، وآخر يلاحظ أن رقمًا في التقرير غير منطقي قبل أن يصل إلى الإدارة، وثالث يتعامل مع الحالة الاستثنائية التي لا يغطيها أي دليل. هذه الطبقة هي «الحاجز». وظيفتها أن تمنع أخطاء لا يراها أحد، لأنها ببساطة لم تحدث.
عندما يُلغى الدور، تستمر المهام الظاهرة عبر الآلة، لكن الحماية الخفية تختفي معه. ولا تظهر المشكلة في اليوم الأول؛ تظهر عندما تأتي الاستثناءات: شكوى هنا، عميل يرحل هناك، خطأ يتكرر دون أن يعرف أحد مصدره. عندها فقط تكتشف الشركة ما الذي كان الحاجز يمنعه، وتدفع ثمن المعرفة مرتين: مرة عندما خسرت الموظف، ومرة عندما أعادته بشروط أعلى.
ولهذا يتكرر الخطأ في شركات كثيرة. التوفير يظهر فورًا في الميزانية، بينما الخسارة تتأخر وتتوزع على أماكن متفرقة، فيبدو القرار صحيحًا في البداية. وهنا يلتقي القانون 36 مع القانون الثاني في الكتاب: «لا تحكم على القرار من أول نتيجة؛ فالنتيجة التي تأتي بعدها هي التي تكشف حكمته».
المشكلة إذن ليست في الذكاء الاصطناعي. المشكلة في ترتيب القرار: الإلغاء قبل الفهم. الشركة قاست الدور بما هو مكتوب عنه، لا بما كان يمنع حدوثه.
ماذا يعني هذا لك؟
كثير من الشركات في العالم العربي تتعرض اليوم لضغط واضح: استخدم الذكاء الاصطناعي وخفّض التكاليف. شركة تستبدل فريق خدمة العملاء بروبوت محادثة، وقسم تسويق يقلّص المصممين لأن أدوات التوليد أصبحت أسرع، ومكتب محاسبة يؤتمت إدخال البيانات بالكامل.
في كل حالة من هذه، السؤال الصحيح ليس: هل تستطيع الأداة تنفيذ المهمة؟ بل: ما الذي كان هذا الشخص يفعله ولم يُكتب في أي مكان؟ موظفة الاستقبال التي تعرف كبار العملاء من أصواتهم، والمصمم الذي يرفض تصميمًا قد يحرج البراند ثقافيًا في سوق معيّن، والمحاسب الذي يلتقط الخطأ قبل أن يصل إلى العميل.
وهناك تكلفة أخرى لا تظهر في الأرقام: الفريق الذي بقي. هؤلاء رأوا زملاءهم يغادرون ثم يعودون، وفهموا أن القرار كان متسرعًا. وهذا يضعف ثقتهم في القرارات القادمة، حتى الصحيحة منها.
ماذا تفعل هذا الأسبوع؟
- اختر دورًا واحدًا تفكر في أتمتته، واطلب من صاحبه أن يسجّل لمدة أسبوع كل استثناء أو مشكلة تعامل معها خارج مهامه المكتوبة.
- قسّم الدور إلى «مهام» و«حماية»: ما الذي ينفّذه، وما الذي يمنع حدوثه. أتمت المهام، وحدّد من سيتولى الحماية قبل أي قرار.
- جرّب الأتمتة جزئيًا ولفترة محددة بوجود الموظف نفسه، وقِس الأخطاء والشكاوى قبل أن تقرر إلغاء الدور.
أسئلة شائعة
هل يعني هذا أن الاستغناء عن الموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي خطأ دائمًا؟
لا. بعض المهام تُؤتمت بنجاح فعلًا. الخطأ هو اتخاذ القرار قبل فهم ما كان الدور يحميه، لا الأتمتة نفسها.
لماذا يطلب الموظفون العائدون رواتب أعلى؟
لأن الشركة أثبتت بنفسها أنها تحتاجهم، ولأن الثقة اهتزت. لذلك يطلب أكثر من نصفهم زيادة كبيرة، ويريد كثيرون ضمانات مكتوبة، كما أظهر استطلاع SHL.
كيف أعرف ما الذي يمنعه موظف معيّن قبل الاستغناء عنه؟
راقب الاستثناءات لا المهام. اسأل من حوله ماذا يحدث عندما يغيب، واطلب منه توثيق المشكلات التي يحلها قبل أن تصل إلى أحد.
المصادر: IT Brief: استطلاع SHL، ITPro: توقع Gartner
هذا المقال جزء من سلسلة «فكّ الشفرة»: قراءة الأخبار من خلال قوانين كتاب «الشفرة: 48 قانونًا لفهم الواقع».




