كيف تدمر علامتك التجارية للمبتدئين؟

0 6٬395

لم يكن أحد ليتخيل أن النهاية ستأتي أخيرًا، ليست النهاية في حد ذاتها لكن مشهد النهاية المؤلم، الطريقة التي انتهى بها كل شيء.. أن تفقد أفضل لاعب في تاريخ اللعبة، وربما واحد من أفضل الرياضيين على الإطلاق، بهذا الشكل المخزي، أن يغادر ليونيل أندرياس ميسي فريق طفولته بهذه الطريقة! نادي برشلونة الآن أصبح في وضع لا يُحسد عليه أبدًا!

لكن الأمر ليس وليد المصادفة، ومغادرة ميسي للفريق ليست سوى قمة الجبل الجليدي كما يقولون، الفشل الإداري للنادي أكبر كثيرًا مما يظهر. وإن كنت تنوي، في يوم من الأيام، تأسيس شركتك الخاصة، فعليك قراءة ما فعلته إدارة النادي الكتالوني بقيادة روسيل ثم بارتوميو خلال العقد الماضي، وتجنبه كأنه الجحيم!

لا توجد مبالغات هنا؛ أن تملك أفضل فريق في بداية العقد، ثم تدمره بنهاية نفس العقد بهذا الشكل أمر عجيب فعلًا! أن تدمر علامة الفريق التجارية ومبادئه وكل أسباب نجاحه السابقة، ثم تفقد أفضل من يمثله في السنوات الأخيرة بسبب تراكم الديون، هو أمر محزن للغاية لكل متابعي كرة القدم حول العالم!

لكن يمكن أن نستفيد من هذه الدروس في كيفية إدارة الشركات والأعمال الخاصة، هناك دروس كثيرة في الواقع، وإن كنا سنقتبس من الأفلام، عندما يبدأ الفيلم من مشهد النهاية، ثم تُظلم الشاشة ويعود الزمن بنظام الـ “فلاش باك”، وتظهر الجملة الشهيرة التي تذكر: “قبل واحدٍ وعشرين عامًا”!

هناك قصة مُسلية وراء تدمير إمبراطورية برشلونة!

قبل واحدٍ وعشرين عامًا!
الخامس عشر من مايو، عام 2002، على أرضية ملعب “هامبدن بارك” في مدينة جلاسكو الإسكتلندية، ينطلق النجم البرازيلي روبرتو كارلوس على الجهة اليسرى من الملعب، في انتظار تمريرة طولية من لاعب الوسط سانتياجو سولاري، ليرسلها كارلوس عرضية عالية داخل منطقة جزاء ليفركوزن الألماني، وهنا يدور زين الدين زيدان بجسده بطريقة تخالف قوانين الفيزياء ويسدد كرة طائرة تسكن شباك الفريق الألماني.

هذا الهدف أعلن فوز ريال مدريد ببطولة دوري أبطال أوروبا عام 2002، البطولة التاسعة في تاريخ النادي العاصمي. ومع هدف زيدان الشهير، كانت رسالة النادي واضحة للجميع، هذا الجيل أبطالًا لأوروبا وجاء هنا ليسيطر على عالم كرة القدم!

صادف ذلك الشهر أيضًا مرور السنة العاشرة منذ فوز برشلونة بدوري أبطال أوروبا لأول مرة في تاريخ النادي، وبهدف آخر لا يُنسى من الهولندي رونالد كومان عام 1992. لذا في بداية الألفية، كانت الأمور متأزمة للغاية بالنسبة لبرشلونة.

كانت تمثل تلك الفترة سطوة وقوة وسيطرة لريال مدريد، كان فلورنتينو بيريز، الذي تولى حينها رئاسة النادي العاصمي عام 2000، يبحث عن تجميع فريق من أفضل النجوم حول العالم، بهدف النهوض بقيمة العلامة التجارية لريال مدريد وقابليتها التسويقية.

استهدف بيريز لاعبي برشلونة السابقين، وتعاقد مع الظاهرة البرازيلي رونالدو ومع لويس فيجو، ثم زين الدين زيدان وديفيد بيكهام، مع تواجد روبرتو كارلوس وراؤول جونزاليس وغيرهم من النجوم في الفريق الأول، أفضل وألمع الأسماء حينها في عالم الكرة اجتمعت في فريق واحد، تكوين فريق من الـ “جالاكتيكوس”!

ولكن منذ واحدٍ وعشرين عامًا، في نفس العام 2000، عندما كان يبلغ ليونيل ميسي 13 عامًا، انضم إلى برشلونة، ولم يكن النادي يملك نفس العلامة التجارية العالمية التي يملكها اليوم.

حينها كان يملك لاعبو الكرة الوقت الكافي للتطوير، لم يكن لدى اللاعبين المراهقين، بعمر السابعة عشر، أي حسابات على منصة إنستجرام يشاركوا بها يوميًا، ولم تكن هناك أي مقاطع فيديو على منصة يوتيوب تقارن إنجازاتهم مع أقرانهم، ببساطة لأنه لم يكن هناك منصات إنستجرام أو يوتيوب أو حتى فيسبوك من الأساس!

وعندما جاء خوان لابورتا لرئاسة النادي الكتالوني عام 2003، ومع قدوم نجم مثل رونالدينهو، والأهم من ذلك إقامة مشروع رياضي واضح للنادي والاعتماد على الشباب، بدأت العلامة التجارية في الظهور أكثر، وبدأ الفريق في الفوز والتتويج بالدوري لموسمين متتالين، ثم فاز النادي بدوري أبطال أوروبا عام 2006 دون إنفاق أي دولار إضافي ذلك الموسم، فكيف بدأت القصة؟

عصر السوشيال ميديا وبناء العلامة التجارية!

في عام 2006 ظهرت مجموعة أساسية من اللاعبين الذين سيواصلون تولي أدوار قيادية مهمة في السنوات التالية، مثلًا تشافي هيرناندز، الذي ظهر لأول مرة عام 1998 قد أمضى عشر سنوات في النادي، بجانب ظهور النجم ليونيل ميسي وأندرياس إنيستا، بالإضافة للاعتماد على مجموعة من الشباب الصاعد من أكاديمية “لا ماسيا” للشباب، وتعيين بيب جوارديولا، مدرب فريق الشباب حينها، عام 2008 لقيادة الفريق.

وتحت قيادة جوارديولا، في أول موسم له، فاز الفريق بستة ألقاب في موسم واحد، وهي كل الألقاب الممكنة التي شارك بها الفريق، ليصبح أول فريق في التاريخ يحقق هذا الإنجاز. معظم الناس لا يفهمون حقًا آثار هذا الإنجاز ومدى التأثير الهائل على النادي حينها، وكيف تغيرت نظرة العالم للأبد إلى هذا الكيان من بعدها. من مجرد نادٍ من فئة الـ “أندردوجز”، إلى نادٍ يخشاه الجميع ويحقق دوري أبطال أوروبا مرتين في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

لكن يجب أن نلاحظ أيضًا أنه حينها بدأت وسائل التواصل الاجتماعي في الانتشار وبسط نفوذها أكثر، ربما كان العملاق الكتالوني محظوظًا لأن صعوده ونجاحه الضخم تزامن مع نمو وسائل التواصل الاجتماعي والاستهلاك الرقمي حول العالم.

بدأ ظهور فيسبوك كمنصة كبيرة، وتويتر، الذي تأسس عام 2006، كان يجذب المزيد من المستخدمين سريعًا. كما ساعد برشلونة أيضًا حقيقة أنه لأول مرة في التاريخ تُرفع الأهداف والمباريات وملخصاتها لنادي كرة قدم على منصة يوتيوب بانتظام.

انضم معظم الصحفيين البارزين إلى تويتر بين عامي 2009 و2010، مما مكنهم من تغطية أخبار برشلونة بسرعة. كما لعب انتشار شاشات التلفزيون بالدقة العالية HD دوره المثير في رفع مشاهدات النادي عالميًا. لذا يمكن القول إن برشلونة أصبح أول نادٍ يركب موجة وسائل التواصل الاجتماعي.

وبعد نجاحات وسائل الإعلام الجديدة، بدأ نادي برشلونة بالفعل في الاستفادة من قيمة علامته التجارية. كان كل هذا جديدًا في تاريخ النادي، وأثبت أنه عامل أساسي ومهم في متابعتهم وانتشارهم العالمي. لكن الأمر لم يكن دائمًا بتلك البساطة!

التحرر من مآسي التاريخ والاعتماد على “لا ماسيا”!

في 6 أغسطس عام 1936، خلال الأيام الأولى للحرب الأهلية الإسبانية، ألقت قوات الجنرال فرانثيسكو فرانكو القبض على جوسيب سونيول، في إحدى جبهات الحرب “جبهة سييرا دي جواداراما”، ثم قُتل على يد أحد الجنود. جوسيب سونيول كان أحد أشهر رؤساء نادي برشلونة.

عانى النادي الكتالوني كثيرًا جراء الحرب الأهلية، حتى أن القوات الفاشية التابعة للجنرال فرانكو قصفت المدينة، ودمرت أجزاءً ضخمة من مقر النادي. حتى بعد نهاية الحرب الأهلية، بقي النادي في ظلال الديكتاتور فرانكو لفترة طويلة. ورغم تحقيق بعض النجاح المحلي والفوز ببطولة الدوري الإسباني، إلا أنه بعد وفاة فرانكو في عام 1975 تمكن برشلونة أخيرًا من التحرر رمزيًا من ويلات الحرب والتاريخ. لقد كانت نوعًا ما بدايةً جديدةً للنادي، وهي الفترة التي أتاحت لهم الفرصة لتجاوز عقودًا من المآسي والفوضى.

الرئيس جوزيه لويس نونيز، الذي تولى رئاسة برشلونة منذ 1978 حتى عام 2000، لعب دورًا رئيسيًا في إعادة بناء النادي، وقام بالعديد من الخطوات الحاسمة للحفاظ على مستقبل برشلونة. كان هدف نونيز الأول هو تأمين المستقبل المالي للنادي، واشتهر بعدم استسلامه للنجوم الذين طالبوا بأجور باهظة. حتى أنه رفض تحسين عقد دييجو مارادونا، أفضل لاعب في العالم حينها، وكان هذا، ضمن أسباب أخرى، هو سبب رحيل مارادونا إلى نابولي الإيطالي.

آمن نونيز أنه من أجل الحفاظ على مستقبل برشلونة، يجب أن يجد طريقة للتعاقد مع اللاعبين دون الحاجة إلى دفع رسوم انتقال باهظة. وفي عام 1979، أنشأ أكاديمية الشباب “لا ماسيا”، وهي أول خطوة مهمة له بعد تولي رئاسة النادي. مع أكاديمية أياكس الهولندي الشهيرة حينها، كانت أكاديمية “لا ماسيا” في برشلونة المنتج الرئيسي للاعبي كرة القدم الشباب الموهوبين. وتأكد نونيز أن “لا ماسيا” بدأت في إنتاج لاعبين مهمين للفريق الأول، وهذا سيمكنه من تجنب شراء النجوم من الأندية الأخرى بأسعار مرتفعة والاعتماد على شباب النادي.

في ولاية خوان لابورتا الأولى كرئيس للنادي، من عام 2003 إلى 2010، كانت بداية أعظم فترة في تاريخ برشلونة على الإطلاق. من عدة نواحٍ كان لابورتا الوريث الروحي للرئيس السابق نونيز، وكان يسير على خطى الأخير في التركيز على أكاديمية الشباب “لا ماسيا” والاحتفاظ بالهوية الكتالونية الفريدة للنادي، بجانب الاستعانة بالأسطورة يوهان كرويف في إدارة الأمور الكروية للفريق، كما اختار تعيين بيب جوارديولا حينها، رغم أنه كان مدرب الشباب ولم يملك أي خبرة في عالم التدريب.

بعبارة أخرى كانت رؤية لابورتا لبرشلونة هي ذات الرؤية التي تمتع بها النادي في تاريخه، والاعتماد على الفلسفة الكروية الهولندية، أو الكرة الشاملة. وبهذا تمكن النادي أخيرًا من تحقيق ما لا يمكن تخيله، لم يفز جوارديولا فقط بكل الكؤوس والبطولات الممكنة، ولكنه فعل ذلك بأفضل أسلوب كرة قدم في العصر الحديث، بكرة هجومية وممتعة لأقصى الحدود!

أكثر من مجرد نادٍ!

منذ بدايات النادي، كان برشلونة يظهر بصورة نادٍ اجتماعي، بشعار النادي الشهير “Més que un club” أو أكثر من مجرد نادٍ! لقد كانت جذور فلسفة النادي الأساسية دائمًا في الاشتراكية، وبالتالي فإن فكرة الرأسمالية المتمثلة في بناء أنفسهم كمنتج قابل للتسويق والبيع لم تخطر لهم سابقًا!

وعلى عكس ريال مدريد، وجد برشلونة صعوبة في تعزيز صورته في أوروبا وبناء علامة تجارية قابلة للتسويق. ربما كان بسبب نهجهم الاشتراكي، ولكن عدم النجاح على المستوى القاري لعب أيضًا دورًا مهمًا.

حتى بعد دخول القرن الحادي والعشرين، لم يملك النادي أي راعٍ للقميص، مثلما كان الحال مع باقي أندية أوروبا، ومع ذلك عندما قرر لابورتا أن يضع اسمًا على قميص الفريق، لم يكن إحدى الشركات التي ستدفع ملايين مقابل هذه الرعاية، ولكنه كان اسم “UNICEF” صندوق الأمم المتحدة للطفولة.

لقد كانت خطوة جديدة في عالم كرة القدم، وبدلًا من الاستفادة ماليًا من رعاية القميص، التزم النادي بدفع 1.5 مليون يورو سنويًا لمنظمة يونيسيف، كانت هذه الخطوة هي التجسيد الأكبر لجملة ” أكثر من مجرد نادٍ!”.

ما أصبح واضحًا حينها هو أن خوان لابورتا كان يملك رؤيةً نبيلةً ومتسقةً مع مبادئ النادي، ولكن للأسف لم يكن كل شيء وردي في ولايته الأولى، لأنه أهمل جزئية النمو المالي للنادي، وهي حقيقة أدت إلى رحيله عن الرئاسة في عام 2010!

ومن هنا بدأت ولاية روسيل وبارتوميو.. أو بداية انهيار إمبراطورية برشلونة!

روسيل وبارتوميو.. توحش الرأسمالية والفساد!

في بداية العقد الماضي، عام 2010، تولى ساندرو روسيل رئاسة النادي بعد خوان لابورتا، وما كان واضحًا على الفور هو أن أيديولوجيته وتفكيره كانا يناقضان تمامًا مع لابورتا. أراد روسيل، ولاحقًا بارتوميو، أن يوجه دفة النادي إلى اتجاه جديد. أعطى النادي حينها الأولوية للحوافز المالية عبر صفقات رعاية مربحة تاركًا القضايا الإنسانية والاشتراكية، ببساطة أراد الاثنان الاستفادة ماليًا من النجاح الرياضي الهائل للنادي.

شعار “أكثر من مجرد نادٍ!” ربما لم يعد صالحًا، بعد تحول برشلونة بعيدًا عن هويته الاشتراكية إلى اتجاه رأسمالي أكثر. وبدأ هذا التحول في العقلية منذ عام 2011، عندما قام ساندرو روسيل بتحويل كلمة اليونيسف إلى الجزء الخلفي من قمصان برشلونة واستبدالها بمؤسسة قطر. في صفقة رعاية لقميص برشلونة على مدار خمس سنوات بقيمة 150 مليون يورو، سيحصل برشلونة على مبلغ سنوي 30 مليون في كل موسم. كانت هذه أول صفقة رعاية مربحة في تاريخ النادي.

واصل بارتوميو هذا الاتجاه أكثر من خلال الرعاية مع شركات Beko، الشركة المصنعة للإلكترونيات، والخطوط الجوية القطرية، وشركة Rakuten عملاق التجارة الإلكترونية الياباني.

ترك روسيل الرئاسة وسُجن بعد فضيحة انتقال نيمار، وتولى نائبه جوزيب ماريا بارتوميو دفة القيادة في يناير عام 2014. أراد بارتوميو وضع بصمته الفريدة على النادي، ومثل روسيل، انحرف عمدًا عن نموذج أعمال لابورتا السابق عبر التركيز على بناء علامة برشلونة التجارية. وأراد أن يحول برشلونة إلى عملاق مالي، إلى نادٍ خارق بمستقبل اقتصادي قوي.

لم يكن رئيس برشلونة السابق راضيًا عن الفوز بالكؤوس والبطولات فحسب داخل الملعب، لكنه أراد أن يرى أرباحًا ضخمة في البيانات المالية السنوية. كان هدفه الرئيسي هو محاكاة مشروع الـ “جالاكتيكوس” كما فعل فلورنتينو بيريز في بداية الألفية، التعاقد مع نجوم لامعة في عالم الكرة، وتحقيق نجاح سريع، ومن ثم العثور على المستثمرين!

وهو الاتجاه الذي كان قد بدأ فيه روسيل من قبله مع صفقة نيمار، ومع ذلك لم يكن شراء نيمار هو المشكلة، لأن برشلونة جذبت دائمًا الأسماء الكبيرة في عالم كرة القدم، أمثال مارادونا ورونالدينهو وغيرهم من النجوم، ولكن كيفية اتمام الصفقة هي التي مثلت مشكلة حقيقية!

كانت صفقة نيمار، عام 2013، تمثل لحظةً رمزيةً بالنسبة لبرشلونة؛ ربما أظهرت الطموح والتغيير، لكنها كشفت أيضًا عن الفساد الإداري. وفي سبيل تحقيق هذا الطموح، كانت إدارة برشلونة، تحت قيادة روسيل، على استعداد للمضي قدمًا في طريق الفساد والصفقات المشبوهة، ودفع الرشاوى والإكراميات. وهذا ما تسبب في إقالة روسيل من منصبه ثم تعرضه للسجن!

علامة برشلونة التجارية الجديدة!
لم يكن بارتوميو مهتمًا ببناء النادي جوهريًا، لم يكن مهتمًا بالمشاريع طويلة الأجل، أو بوضع مشروع رياضي قوي يدور حول استغلال أفضل سنوات الأسطورة ليونيل ميسي، لكن كان اهتمامه الأساسي هو تحويل برشلونة إلى علامة تجارية جذابة، وقوة مالية خارقة تطمح إلى نجاح سريع، والذي بدوره سيحقق صفقات أكثر ربحًا!

من المفارقات المضحكة، ولسخرية القدر بالنسبة لبرشلونة، أن النادي فاز بالثلاثية مع لويس إنريكي عام 2015، دوري أبطال أوروبا والدوري والكأس المحليين، هذا النجاح كان السبب في بقاء وانتخاب بارتوميو رئيسًا للنادي، وربما أخفى مؤقتًا على كثير من الجوانب البغيضة في تلك الإدارة التي ستكشف عن نفسها قريبًا!

وربما كانت أكبر أخطاء إدارة بارتوميو هي تحويل تركيز النادي بعيدًا عن أكاديمية “لا ماسيا”، وهي مؤسسة قام عليها نجاح النادي وفلسفته لفترة طويلة وكانت السبب الرئيسي في تحقيق أكثر عصور النادي المجيدة.

وبغرض تحقيق حلم الـ “جالاكتيكوس” الجديد، لم يوقع بارتوميو مع لاعبين من أندية أخرى بأسعار باهظة وأكثر من قيمتهم الحقيقية فحسب، بل كان على استعداد لدفع رواتب ضخمة أيضًا، وهو ما وضع ضغطًا ماليًا أكبر على النادي بالطبع. ومنذ وصوله للرئاسة عام 2014، أنفق أكثر من مليار دولار على التعاقدات بصفقات معظمها كان مخيبًا للآمال ولم يقدم الكثير.

لذا، ما فعله بارتوميو أنه تخلص من لاعبي الأكاديمية الشباب، وأنفق ملايين على لاعبين جدد، بعضهم لم يملك الموهبة أصلًا، والبعض الآخر لم يكن يرتقي للجودة المطلوبة للعب لنادي مثل برشلونة. لقد كان هيكلًا ونموذج أعمال مُدمرًا للغاية، وهو أمر كان سيفهمه جوزيه لويس نونيز أو خوان لابورتا منذ البداية.

لكن الأمر تجاوز تدمير كرة القدم، وكشف عن مشاكل ضخمة في تفكير القيادة على مستوى مجلس الإدارة. في هذا العصر من وسائل التواصل الاجتماعي ترتفع الأسهم وتنخفض بسرعة هائلة، والسمعة دائمًا ما تكون على المحك. وبعيدًا عن بناء وتعزيز صورة وعلامة نادي برشلونة، شهد عهد بارتوميو تدهور صورة النادي الكتالوني ليتحول إلى أضحوكة أمام العالم.

نادي المليار دولار!
في عام 2019، كان برشلونة أول نادٍ رياضي في العالم يحقق دخلًا يتجاوز مليار دولار خلال عام واحد. على مدار سنوات، ساعدت الإيرادات المرتفعة على الورق إدارة بارتوميو على الاستمرار في الأخطاء، لكن جاء عام 2020، ووباء فيروس كورونا، ليغير من الحسابات بالكامل.

والنتيجة هي أن النادي الذي كان يجلب الأموال أكثر من أي نادٍ آخر عالميًا يواجه الآن أزمة الديون الطاحنة، والتي تسببت في رحيل أفضل نجومه ليونيل ميسي بهذا الشكل!

انهيار إمبراطورية برشلونة

والآن تجاوزت ديون النادي المالية أكثر من مليار دولار أيضًا، وهي الديون الأكبر بين كل أندية أوروبا، ومعظمها يجب أن تُدفع على مدى زمني قريب. كما كانت قد وصلت فاتورة الرواتب السنوية للاعبي برشلونة 771 مليون دولار، ما يقدر بنسبة 74% من الدخل السنوي للنادي، وهي النسبة الأكبر أيضًا بين أندية أوروبا، التي تحاول الحفاظ على هذه النسبة عند 60%.

وقبل رحيل ميسي مباشرة وصلت فاتورة الرواتب إلى 110% من دخل النادي، وهو ما يجب تخفيضه إلى 70% كحد أدنى حسب قوانين الاتحاد الإسباني، وحتى بعد رحيل ميسي وصلت النسبة إلى 95%، أي أن النادي بحاجة إلى تخفيض الرواتب أكثر، وحتى إن أراد ميسي البقاء واللعب مجانًا فإن هذا لم يكن ممكنًا من الأساس، وسوف تستمر نفس المشكلة!

ما كان يراه بارتوميو هو أنه إذا تمكن النادي من إدخال أكثر من مليار دولار كل عام، فما المانع من دفع 700 مليون منها كرواتب للاعبين؟ لكن هذا النموذج لم يستمر، وتراكم الديون وسوء الإدارة والقرارات المتخبطة أدى بالنادي إلى هذه المعضلة الحالية!

كيف تدمر علامتك التجارية؟

تحول برشلونة في عهد بارتوميو إلى منظمة رأسمالية تركز على الأرباح النقدية فحسب، لا يوجد مجال لأي شيء آخر لا يجلب الأموال!

رؤية بارتوميو لبناء ماكينة أموال متوحشة من نادي برشلونة حولت تركيزه بعيدًا عن الأشياء التي جعلت من هذا النادي أعظم أندية كرة القدم في المقام الأول. وقع المشجعون في حب العلامة التجارية الجذابة والأنيقة لكرة القدم والأسلوب الذي قدمه لاعبي وأساطير الفريق، وليس في حب أسماء الشركات الملصقة على قمصانهم.

وبالطبع إن سألت أي مشجع قديم لبرشلونة ما هي أفضل ذكرياتك عن النادي؟ غالبًا سيخبرك أنها في العهد الذي كانت فيه منظمة اليونيسيف لا تزال مطبوعة على القميص، ومن الطبيعي أن ألقاب دوري أبطال أوروبا عام 2009 وعام 2011 ستمثل دائمًا ذكرى خاصة للغاية بالنسبة له!

بناء العلامة التجارية أمر ضروري للغاية، وربما حتى جزء لا يتجزأ من بقاء نادي كرة القدم، كذلك الأرباح هي أمر أساسي وحيوي للحفاظ على بقاء النادي قويًا. لكن بارتوميو تابع مشاريع بناء العلامة التجارية بأسوأ طريقة ممكنة وضحى بكل ما كان النادي يمثله في يوم من الأيام. أو بهدم العلامة التجارية التي قام عليها النادي منذ أيام لابورتا الأولى.

أراد بارتوميو صنع منتج أكثر قابلية للبيع، لكنه أدى فقط إلى تدمير جودة المنتج أثناء مطاردته للمشترين (المستثمرين). ومن المفارقات أنه بدلًا من تحقيق الأرباح كما كان يخطط أصبح النادي يعاني من خسائر فادحة بسبب الاضطرابات في عالم كرة القدم بسبب وباء كورونا، وبسبب سوء الإدارة.

سيذكر التاريخ بارتوميو باعتباره الرئيس الذي أفسد ودمر نادي برشلونة من الداخل وفي كل الاتجاهات، وكان عهده يمثل الفشل على جميع المستويات. وكانت النهاية الحزينة أن يفقد النادي نجمه الأول، وربما السبب الرئيسي في تحقيق كل هذه النجاحات الماضية، ليونيل أندرياس ميسي. نهاية أليمة، لكنها ربما مستحقة لفترة من أسوأ فترات النادي الكتالوني عبر كامل تاريخه.

بارتوميو أفسد كل شيء عمل رؤساء برشلونة السابقون بجد لبنائه؛ لقد دمر فلسفة النادي وعلامته التجارية تمامًا، وربما سيعاني برشلونة لسنوات وسنوات حتى يتخطى هذا الدمار!

المصدر

Leave A Reply

Your email address will not be published.